على طريق التفسير البياني: التفسير البياني لسورة قريش للدكتور فاضل صالح السامرائي


 التفسير البياني لسورة قريش

فضيلة الدكتور فاضل صالح السامرائي حفظه الله 


**سورة قريش**



بسم الله الرحمن الرحيم

﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾


إن مناسبة هذه السورة لما قبلها - أعني سورة الفيل - ظاهرة، فإن أصحاب الفيل إنما جاؤوا بسبب هذا البيت. وقد حفظ الله بيته وحماه، وحفظ قريشاً وحماهم، وأهلك أصحاب الفيل إكراماً وتعظيماً لهذا البيت، فكان حفظ البيت حفظاً لهم وحماية لأمنهم ومعاشهم، إذ لو سلط عليهم أصحاب الفيل لتشتتوا في البلاد والأقاليم ولم ترتفع لهم كلمة.


جاء في (التفسير الكبير) للرازي: "اعلم أن الإنعام على قسمين: أحدهما: دفع الضرر، والثاني: جلب النفع. والأول أهم وأقدم، ولذلك قالوا: دفع الضرر عن النفس واجب، أما جلب النفع فإنه غير واجب، فلهذا السبب بيّن تعالى نعمة دفع الضرر في سورة الفيل ونعمة جلب النفع في هذه السورة. ولما تقرر أن الإنعام لابد وأن يقابل بالشكر والعبودية لا جرم أتبع ذكر النعمة بطلب العبودية فقال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾".


### ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾


الإيلاف من الألف والألفة، وهو مصدر (آلف)، وأصل (آلف): (أألف) بهمزتين، وأصل (الإيلاف): (الإئلاف) بهمزتين، أبدلت الهمزة الثانية مدًّا في الفعل والمصدر لسكونها وتحرك الهمزة قبلها. والإيلاف - كما قال الراغب - اجتماع مع التئام.

وقد كانت قريش قد ألفت رحلتين: رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى الشام، فيمتارون ويتجرون، وكانوا في رحلتيهم آمنين لأنهم أهل حرم الله وولاة بيته فلا يتعرض لهم، والناس غيرهم يتخطفون ويغار عليهم.


إن الجار والمجرور (لإيلاف) متعلق بقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ أي (ليعبدوا رب هذا البيت لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف) والمقصود أن هذه النعمة وحدها كفيلة بعبادة رب البيت الذي أصبحوا آمنين مطعمين، فكيف بنعم الله الأخرى عليهم؟ فإن لم يكونوا يعبدونه لتلك النعم فليعبدوه لهذه النعمة الظاهرة.

وقيل: الجار والمجرور متعلق بفعل محذوف تقديره (اعجبوا)، أي اعجبوا لإيلاف قريش هاتين الرحلتين وتركهم عبادة رب هذا البيت الذي يسّر لهم هذا الأمر والناس يتخطفون من حولهم.


جاء في (الكشاف): "﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ متعلق بقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ أمره أن يعبدوه لأجل إيلافهم الرحلتين.

فإن قلت: فلم دخلت الفاء؟

قلت: لما في الكلام من معنى الشرط؛ لأن المعنى: إمّا لا فليعبدوه لإيلافهم، على معنى أن نعم الله عليهم لا تحصى، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة.

وقيل: المعنى: اعجبوا لإيلاف قريش".


وجاء في (البحر المحيط) أن الجار والمجرور يتعلق "باعجبوا مضمرة، أي اعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف، وتركهم عبادة رب هذا البيت".

وقال الخليل بن أحمد: "تتعلق بقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ والمعنى: لأن فعل الله بقريش هذا ومكنهم من إلفهم هذه النعمة فليعبدوا، أمرهم أن يعبدوه لأجل إيلافهم الرحلة".


واختيار لفظ (الإيلاف) يدل على أن هذا الأمر مألوف عندهم وليس طارئاً عليهم، وهذا ما يستحق أن يشكروا ربهم عليه.

وقدم الجار والمجرور ﴿لِإِيلَافِ﴾ على متعلقه وهو الفعل ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ لأكثر من سبب وليعطي أكثر من فائدة، منها:


* ١ - أنه لو قال: (ليعبدوا رب هذا البيت لإيلاف قريش) لاقتضى ذلك حذف الفاء، ولانمحى المعنى الذي تدل عليه، وهو ما سنذكره فيما بعد، فإنه لا تصح زيادة الفاء أولاً.

* ٢ - إن هذا التقديم وسع المعنى، فهو يحتمل أنه متعلق بالفعل (ليعبدوا) ويحتمل أنه متعلق بفعل مضمر تقديره (اعجبوا) ولو تأخر لتعين تعلقه بالفعل المذكور (ليعبدوا).

* ٣ - أن تقديمه قوّى الربط بين هذه السورة والسورة المتقدمة فجعلهما كالسورة الواحدة، فكأنه قال: فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش. وقد ذهب بعضهم إلى أنه متعلق به.

* ٤ - إن تقديم ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ يفيد أهمية هذا الإيلاف في حياتهم وعظيم مكانته عندهم، وأن التذكير بهذه النعمة مدعاة إلى الاعتراف بمُوليها عليهم وعبادته لا عبادة الأصنام، ولا يفيد التأخير هذا الاهتمام أو العناية.

* ٥ - أنه لو لم يقدم لقال: (لتعْبُد قريش رب هذا البيت الذي أطعمها من جوع وآمنها من خوف لإيلافها رحلة الشتاء والصيف) فيتمزق الكلام ويذهب رونقه وفخامته ولم يؤدّ المعنى المقصود، إذ من المحتمل أن يكون الجار والمجرور عند ذاك متعلقاً بأطعمها وآمنها، فيكون المعنى أنه أطعمها وآمنها للإيلاف، ولم يكن الإيلاف مدعاة إلى العبادة.

* ٦ - إن هذا التقديم إنما هو من باب تقديم العلة على الفعل، فذكر العلة التي تستدعي العبادة أولاً وتلاها بطلب ذلك، فيكون ذلك من باب التقديم بالسبق، فإن العلة هي الدافع إلى الفعل، وهي أسبق منه، فقدمها لذلك.

وهو نظير ما جاء في سورة الفاتحة وهو قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فإنه قدم سبب اقتضاء إفراد الله بالعبادة، وهنا فعل ذلك أيضاً.


### ﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾


أطلق الإيلاف أولاً فقال: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ ثم أبدل منه ما يبينه ويقيده فقال: ﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ وذلك لتفخيم أمر الإيلاف والدلالة على عظيم النعمة فيه عليهم ومكانته في نفوسهم.

جاء في (الكشاف): "أطلق الإيلاف ثم أبدل عنه المقيد بالرحلتين تفخيماً لأمر الإيلاف وتذكيراً بعظيم النعمة فيه".

وجاء في (التفسير الكبير) أنه "خصّ إيلاف الرحلتين بالذكر لأنه قوام معاشهم".

وأفرد الرحلة، والمراد (رحلتي الشتاء والصيف) لأنهما رحلتان لا رحلة لأمن اللبس، ولأنه لو قال: (رحلتي الشتاء والصيف) لأوهم أن في الشتاء رحلتين وكذا في الصيف، فيكون التقدير: رحلتي الشتاء ورحلتي الصيف، فكان ما ذكره أولى.


### ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾


هذا البيت، أي الكعبة، وأضاف الرب إلى البيت تعظيماً له، ولأن هاتين الرحلتين إنما نجحتا واستمرتا بسبب هذا البيت الذي يعظمه العرب، ولولاه لم يكن لهاتين الرحلتين وجود واستمرار، فطلب منهم عبادة رب هذا البيت الذي أنعم عليهم بهاتين النعمتين الجليلتين، وألا يعبدوا غيره، اعترافاً بفضله عليهم وشكراً له سبحانه.

فالإضافة إلى البيت أنسب شيء في هذا المقام، فإن الذي هيأ لهم هاتين الرحلتين وأطعمهم من جوع وآمنهم من خوف رب هذا البيت وليست أصنامهم التي يعبدونها.

وإضافة الرب إلى البيت فيها معنى آخر، وهو أن رب البيت هو الذي يتكفل بحمايته وحفظه، فالإضافة إلى البيت تعني حمايته من أي معتد عليه، كما قال عبد المطلب لأبرهة: (إن للبيت رباً يحميه)، وقد حماه ربه وفعل بأصحاب الفيل.

واختيار لفظ (رب) أنسب شيء ههنا، فإن الرب هو الذي يربي مربوبه ويحفظه ويرعاه، ويطعمه إذا جاع ويؤمنه إذا خاف، فاختيار الرب أنسب شيء لقوله: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.


والمجيء باسم الإشارة عيّن البيت تعييناً لا لبس فيه، فلم يقل: (فليعبدوا رب البيت الذي أطعمهم...) لأنه لا يتعين عند ذاك على وجه التحديد، فالمجيء باسم الإشارة عيّن البيت المقصود.

والفاء في (فليعبدوا) ونحوه من التعبيرات ذكر لها عدة معان، فقد قيل: إنها دخلت لمعنى الشرط، أي إن لم يعبدوه لسائر النعم فليعبدوه لهذه النعمة، وقيل: هي زائدة تفيد التوكيد.

وقد تفيد السبب مع ذلك، وذلك من ناحيتين:


* الأولى: كونها على تقدير جواب الشرط، والفاء في جواب الشرط تفيد السبب غالباً.


* والأخرى: كون الفاء على اختلاف معانيها فيها معنى السبب في الغالب.

وهي ههنا تفيد كل هذه المعاني، فهي تفيد معنى السبب وتقويته، وتفيد توكيد الكلام، وأقصد بتقوية السبب أنها قوّت السبب الذي دلت عليه اللام في ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ فالفاء واللام تعاضدتا على الدلالة عليه.

وتقديم الجار والمجرور هو الذي جوز مجيء الفاء ههنا، ولو لم يتقدم لم يصح إدخالها، فلا يصح أن يقال ابتداء: فأعنه لأنه أعانك، ولا: فليعبدوا رب هذا البيت لإيلاف قريش.

ونظير هذا التعبير قوله تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]، وقوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٧].


وقد تقول: ولمَ لَمْ يقل: (فليصلوا لربهم) كما قال في سورة الكوثر بعد أن ذكر النعمة التي أنعم بها على رسوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، فلم يذكر الصلاة في سورة قريش وإنما ذكر العبادة على وجه العموم؟

والسبب واضح، فإن كفار قريش لم يكونوا يعبدون الله أصلاً، بل كانوا يعبدون الأصنام، أما الصلاة فهي جزء من العبادة، فهو لم يطلب منهم أن تكون الصلاة وحدها لله، بل طلب أن تكون عموم العبادة من صلاة وغيرها له وحده، وهو المناسب ههنا.


ولم يقل: (فليعبدوا ربهم الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) لأكثر من سبب، فإنه لو قال ذلك لم يدل على الأمر خاص بقريش، فإن الله أطعم خلقاً كثيراً من جوع وآمنهم من خوف، ولو قال ذلك لخرج عن هذه النعمة خلق كثير أيضاً، فإن قسماً من عباد الله لم يطعمهم الله من جوع ولم يؤمنهم من خوف، فلو قال هذا لكان معنى ذلك أنه من لم تشمله هاتان النعمتان فلا يعبد الله.

وهو هنا أراد أن يخصّ قريشاً بالكلام ويدعوهم إلى عبادته، فربط ذلك بالبيت الذي هم حوله وكان أمنهم وإطعامهم بسببه، وإشارة إلى أنه لو لم يحم البيت لتفرقوا في البلاد ولتخطفهم الناس.

وذكر البيت يذكّرهم بانيه وهو أبوهم إبراهيم الذي ينعمون ببركة دعائه بالتوسعة بالعيش والأمن، وإبراهيم إنما بنى البيت بأمر ربه، وكان عابداً له لا للأصنام التي حطمها عليه السلام.


### ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾


جمع لهم هاتين النعمتين وذكّرهم بهما لعظيم المنة بهما، ذلك أن مكة بوادٍ غير ذي زرع، وأهلها عرضة للجوع فأطعمهم وآمنهم من خوف، والناس يتخطفون من حولهم، وذلك ببركة دعاء إبراهيم عليه السلام، فقد دعا لهم بالرزق فقال: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٢٦] ودعا لهم بالأمن فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦].


جاء في (البحر المحيط): "كانوا قطاناً ببلد غير ذي زرع عرضة للجوع والخوف لولا لطف الله تعالى بهم، وذلك بدعوة إبراهيم عليه السلام، قال تعالى: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧]. وآمنهم من خوف فضلهم على العرب بكونهم يأمنون حيثما حلوا، فيقال: هؤلاء قطان بيت الله فلا يتعرض إليهم أحد وغيرهم خائفون".


وجاء في (روح المعاني) عن ابن عباس "أنه قال: أطعمهم من جوع بدعوة إبراهيم عليه السلام حيث قال: ﴿وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ﴾ وآمنهم من خوف حيث قال إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾".

وقال: (أطعمهم) ولم يقل: (أشبعهم) لأن الشبع قد يورث ما لا يحمد عقباه من بطنة وتخمة ونحوها، أما الإطعام فيزيل الجوع، وخير الطعام ما يسد الجوعة.


جاء في (التفسير الكبير) للرازي: "ما الفائدة في قوله: ﴿مِّن جُوعٍ﴾؟ الجواب فيه فوائد:

* أحدها: التنبيه على أن أمر الجوع شديد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨]...

* وثانيها: تذكيرهم الحالة الأولى الرديئة المؤلمة وهي الجوع حتى يعرفوا قدر النعمة الحاضرة.

* وثالثها: التنبيه على أن خير الطعام ما سد الجوعة؛ لأنه لم يقل (وأشبعهم) لأن الطعام يزيل الجوع، أما الإشباع فإنه يورث البطنة".


وقد تقول: ولِمَ لَمْ يكتف بقوله: (وأطعمهم) إذا كان الإطعام أفضل من الشبع؟

والجواب: أن من الإطعام ما لا يسد الجوعة ولا تسد به الحاجة فلا تتم به النعمة، ولذا قال: ﴿أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ﴾ أي أبعد الله عنهم الجوع بالإطعام، فكانت النعمة بذلك أتم وأكمل.

ونكّر الجوع والخوف لإطلاقهما، فيشمل كل جوع وخوف. ولو عرّفهما لاحتمل أن يكون ذلك للعهد فيشمل إطعاماً من جوع معين وإيماناً من خوف معين، كأن يكون الخوف من أصحاب الفيل مثلاً، فنكّر ذلك لإطلاق الجوع والخوف ويعممهما. وقيل: إن التنكير فيهما للشدة والتعظيم، أي أطعمهم من جوع أيّ جوع، وخوف أيّ خوف.

جاء في (الكشاف): "التنكير في جوع وخوف لشدتهما، يعني: أطعمهم بالرحلتين من جوع شديد كانوا فيه قبلهما، وآمنهم من خوف عظيم وهو خوف أصحاب الفيل، أو خوف التخطف في بلدهم ومسايرهم".

وجاء في (التفسير الكبير): "لم قال: (من جوع) (من خوف) على سبيل التنكير؟ الجواب: المراد من التنكير التعظيم".


وقد تقول: ولم قدم الجوع على الخوف؟

والجواب أن ذلك لوجوه منها:

* ١ - أن الجوع أشد من الخوف وأمره أعظم، فإن الجوع إذا استمر أهلك الإنسان والأحياء، بخلاف الخوف فإنه قد يستمر ولا يؤدي إلى الهلكة، فإن من الناس من يبقى خائفاً متخفياً أعواماً، فقدم ما هو أهم وأولى.

* ٢ - إن الرحلتين كانتا لغرض الميرة والاتجار، وكان الأمن سبباً في نجاحهما واستمرارهما. فالإطعام من الجوع كان هو الغرض من الرحلتين، أما الأمن فكان من أسباب نجاحهما، فقدم الغرض الأساسي من رحلتي الشتاء والصيف.

* ٣ - إن حاجة قريش إلى الطعام شديدة؛ وذلك لأنهم في بلد ليس بذي زرع، فقدم ما هم محتاجون إليه على جهة الضرورة، أما مسألة الخوف فإنها عامة في الجزيرة، فقد كان يغير بعضهم على بعض.

* ٤ - إن تقديم الجوع على الخوف مناسب لتقديم الشتاء على الصيف في قوله تعالى: ﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ ذلك أن الإنسان أحوج إلى الطعام في الشتاء منه في الصيف، ولذا نرى كثيراً من الناس يدخرون قوتهم للشتاء لشحة الطعام فيه. فقدم الإطعام من الجوع مناسبة لتقديم الشتاء.

وجعل الأمن من الخوف بإزاء الصيف، ذلك أن الصيف تسهل فيه الإغارة والكمون في أي مكان، بخلاف الشتاء الذي يصعب فيه المبيت والتخفي في الخلاء. هذا علاوة على أن الوحوش والهوام تكنّ في الشتاء، بخلاف الصيف، فدواعي الإخافة في الصيف أكثر منها في الشتاء، ولذا جعل الأمن من الخوف بإزاء الصيف، فناسب كل تعبير موضعه.

* ٥ - وقد تقول: ولكنه قدم الخوف على الجوع في موطن آخر من القرآن الكريم فقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥] فلم فعل ذلك إذا كان الجوع أشد وأهم؟

فنقول: إن التقديم إنما يكون بحسب ما يقتضيه السياق والمقام، وقد اقتضى كل مقام التعبير الذي هو فيه. وإيضاح ذلك أنه ورد اجتماع الجوع والخوف في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم هذا أحدها.

والموطن الآخر قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥].

والموطن الثالث قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢].

فقدم الخوف على الجوع في آية البقرة، وقدم الجوع على الخوف في آية النحل، بحسب ما يقتضيه السياق والمقام في كل موطن.

أما آية البقرة فقد تقدم فيها الخوف على الجوع؛ وذلك لأنها وقعت في سياق القتل ووقوع المصائب، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لَّا تَشْعُرُونَ * وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤ - ١٥٦]، فناسب ذلك تقديم الخوف على الجوع.

وأما آية النحل ففي سياق الأطعمة، فقد جاء بعدها: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ...﴾ [النحل: ١١٤ - ١١٥] فناسب تقديم الجوع على الخوف.


ثم إن تقديم الجوع أنسب ههنا من ناحية أخرى، وذلك مراعاة للإذاقة في قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾، فإن الجوع إنما يكون بسبب قلة الطعام أو فقده، والطعام مما يذاق على الحقيقة، فحسن تقديم الجوع من هذه الناحية أيضاً.

جاء في (روح المعاني): "وتقديم الجوع الناشئ من فقدان الرزق على الخوف المترتب على زوال الأمن المقدم فيما تقدم على إتيان الرزق لكونه أنسب بالإذاقة أو لمراعاة المقارنة بين ذلك وبين إتيان الرزق".


وقد تقول: ولكنه قدم الأمن على الرزق في صدر الآية فقال: ﴿كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ﴾، فنقول: إن هذا التقديم هو المناسب هنا، فإنه قال: ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ﴾ وهذا يقتضي تأمين السبل والطرق الموصلة إليها، فإنه لو لم يكن الأمن موجوداً لم يأتها الرزق من كل مكان، فإنه يجب تأمين السبل الموصلة إليها، وأن تكون هي آمنة مطمئنة ليتم مجيء الرزق إليها. فكان تقديم الأمن هنا أنسب لأنه سبب الإتيان بالرزق إليها.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن آية البقرة إنما هي في ابتلاء المؤمنين واختبارهم، وليست هي من باب العقوبات. بخلاف آية النحل فإنها في عقوبات الكافرين، ومعلوم أن الجوع أشد من الخوف في العقوبات، فقدم ما هو أشدّ والله أعلم، فكان كل تعبير في مكانه المناسب.


#بلاغة_القرآن_الكريم 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قراءة في كتاب إعجاز رسم القرآن تأليف محمد شملول

التفسير البياني لسورة الفلق: د. فاضل صالح السامرائي

لماذا اختلف الرسم في (لإيلـٰف) و(إلـٰفهم) في سورة قريش