009 أئمة التفسير والبلاغة: ابن عاشور


 عبقرية تونسية غيرت وجه التفكير الإسلامي: 5 حقائق مذهلة عن الشيخ محمد الطاهر بن عاشور


بين أروقة جامع "الزيتونة" العتيق في تونس، وبمظهر يفيض بوقار علماء القرن التاسع عشر، انبعث عقلٌ لم يعش سجين ماضيه، بل امتلك بصيرةً استشرفت تحديات القرن الحادي والعشرين وما بعده. يمثل الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (1879 - 1973م) مفارقةً فكرية مذهلة؛ فهو ابن الأسرة الأندلسية العريقة التي هاجرت من "سلا" المغربية لتستقر في تونس، وهو الحفيد الذي نهل من مكتبة جده الوزير "محمد العزيز بوعتور" النادرة، لكنه في الوقت ذاته كان الثائر الذي أبى أن يظل التراث الإسلامي مجرد صدىً لأقوال السابقين. لم يكن ابن عاشور مجرد مفسر، بل كان "عميد المجددين" الذي فكك قيود الجمود ليحرر العقل المسلم من قوالبه الجاهزة.


إليك 5 حقائق مذهلة تكشف كيف أعاد هذا الإمام صياغة وعينا المعاصر:


1. 40 عاماً من العزلة الذهنية: القصة وراء أعظم تفسير معاصر


لم يكن كتاب "التحرير والتنوير" مجرد محاولة لتفسير القران، بل كان مشروعاً وجودياً لإثبات أن الوحي لا ينضب عطاؤه بتغير الأزمان. أمضى الشيخ أربعة عقود كاملة في تأليف هذا الصرح، الذي حمل اسماً يعكس فلسفته الإصلاحية: "تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد".


تكمن عبقرية ابن عاشور في رفضه القاطع لـ "التكرار" الذي غرق فيه المتأخرون؛ فقد كان يرى أن حصر التفسير فيما قاله السلف هو تعطيل لإعجاز القرآن المتجدد. ومنذ نبوغه المبكر، حين ألف كتابه "أليس الصبح بقريب" وهو في الخامسة والعشرين من عمره، كان هدفه "التحرير": تحرير المعنى من قيود التقليد، و"التنوير": تنوير العقول بحقائق العصر.


"فإن الاقتصار على الحديث المعاد تعطيل لفيض القرآن الذي ما له من نفاد."


2. الطب والرياضيات في محراب العلم: ثورة التعليم الزيتوني


آمن ابن عاشور بأن التخلف الذي أصاب الأمة لم يكن في جوهر دينها، بل في "عقول أبنائها" التي حُبست في مناهج تعليمية جافة. وبصفته شيخاً لجامعة الزيتونة، قاد في الأربعينيات ثورةً تعليمية غير مسبوقة، حيث فرض دمج "العلوم الصحيحة" ضمن المناهج الدينية، مؤمناً بأن الفقيه الذي لا يفهم قوانين المادة لا يمكنه قيادة الأرواح.


لقد أصر على إدخال العلوم التالية إلى قلب التعليم الديني:


* الطب.

* الرياضيات.

* الهندسة.

* الكيمياء.


كان تحليله عميقاً؛ فجمود التعليم الديني كان يدفع العقول النابغة للهجرة نحو العلوم المادية الصرفة، مما خلق هوةً بين الدين والحياة، وهو ما سعى لردمِهِ عبر مشروعه الإصلاحي.


3. الموقف الصادم: "لا نطيع السلطان ونعصي الرحمان"


في ستينيات القرن الماضي، دخل الشيخ في مواجهة تاريخية مع الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة. طالب الرئيس بفتوى تبيح للعمال الإفطار في رمضان بدعوى رفع الإنتاجية في إطار ما سماه "الحرب ضد الفقر".


هنا تجلت شجاعة "العالم الحر"؛ ففي خطاب إذاعي مباشر، تلا الشيخ آيات الصيام، ثم ميز بمنطق شرعي صارم بين "الجهاد في المعركة" وبين "العمل اليومي"، مؤكداً أن رمضان معلوم من الدين بالضرورة ولا يملك أحدٌ تغييره. ختم موقفه بعبارة زلزلت الأركان: "صدق الله وكذب بورقيبة.. لا نطيع السلطان ونعصي الرحمان". لم تكن هذه مجرد شجاعة شخصية، بل كانت تأصيلاً لاستقلال المؤسسة الدينية عن توظيف السلطة السياسية.


4. فقيه بدرجة أديب: حين يكتشف المفتي "مبتكرات القرآن"


كسر ابن عاشور الصورة النمطية للعالم المتجهم؛ فقد كان أديباً رفيعاً، شارحاً لديوان "بشار بن برد"، ومتذوقاً لغزل المتنبي والموشحات الأندلسية. لكن هذا الشغف الأدبي لم يكن ترفاً، بل كان المفتاح الذي مكنه من فك شفرات الإعجاز القرآني.


من خلال إحاطته الشاملة بشعر العرب ولغتهم قبل الإسلام، استطاع ابن عاشور أن يحدد بدقة ما سماه "مبتكرات القرآن"؛ وهي المعاني والتراكيب والبلاغة التي لم يسبق للعرب أن عرفوها في أدبهم. لقد كان يرى أن فهم "عظمة النص" مستحيل دون التبحر في "اللغة التي نزل بها"، مما جعل تفسيره مرجعاً لغوياً وفلسفياً يجمع بين رقة الأديب ودقة الفقيه.


5. اجتهاد "عابر للحدود": حل لغز الإحرام في الطائرة


مع مطلع السبعينيات وازدياد حركة الطيران، واجه الحجاج القادمون من جهة "المغرب الإسلامي" معضلة فقهية؛ فسرعة الطائرة تجعلهم يتجاوزون "الميقات" (مكان الإحرام) قبل أن يتمكنوا من التهيؤ. في وقت توقف فيه علماء من مصر إلى المغرب عن تقديم حل يوافق العصر، انفرد ابن عاشور بفتوى جريئة سمحت بالإحرام من "جدة".


استند الشيخ في ذلك إلى "فقه الواقع" و"مقاصد الشريعة"، مؤثراً التيسير على المسلمين في ظل المتغيرات التقنية. هذه الفتوى لم تكن مجرد حل تقني، بل كانت رسالة بأن الشريعة تهدف لتحقيق مصالح الناس في كل زمان ومكان، وأن "المقاصد" هي الأداة الذهبية التي تجعل الإسلام صالحاً لكل عصر.


الخاتمة: إرث لا ينطفئ وتساؤل للمستقبل


إن حياة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور لم تكن مجرد سيرة ذاتية، بل كانت "خارطة طريق" للعقل المسلم المعاصر. لقد ترك لنا "مقاصد الشريعة" ليس ككتاب، بل كمنهج تفكير يوفق بين صلابة الأصول ومرونة الواقع.


في عالم يتسارع فيه التغيير وتتلاحق فيه الأزمات الفكرية، هل نمتلك اليوم الجرأة الكافية لـ "تحرير" عقولنا من القوالب الجامدة، واستعادة روح "التنوير" التي غرسها ابن عاشور قبل عقود؟


#بلاغة_القرآن_الكريم 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قراءة في كتاب إعجاز رسم القرآن تأليف محمد شملول

التفسير البياني لسورة الفلق: د. فاضل صالح السامرائي

لماذا اختلف الرسم في (لإيلـٰف) و(إلـٰفهم) في سورة قريش