التفسير البياني لسورة الكوثر: الدكتور فاضل صالح السامرائي
سورة الكوثربسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾
ذُكر أن سبب نزول هذه السورة أنه لما مات القاسم بن رسول الله، ثم مات عبد الله، قال أعداؤه: قد انقطع نسله فهو أبتر، ذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا مات الذكور من أولاد الرجل قالوا: قد بُتر فلان، فأنزل الله ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾.
ولا يعنينا القائل من هو، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو معلوم. ومن لطائف هذه السورة أنها كالمقابلة للسورة المتقدمة، أعني سورة (الماعون) وذلك لأن في السورة المتقدمة وصف الله تعالى المنافق بأربعة أمور:
(أولها) البخل، وهو المراد من قوله: ﴿يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾.
(الثاني) ترك الصلاة، وهو المراد من قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾.
(الثالث) المراءاة في الصلاة، وهو المراد من قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾.
(والرابع) المنع من الزكاة، وهو المراد من قوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾.
فذكر في هذه السورة في مقابلة تلك الصفات الأربع صفات أربعًا:
فذكر في مقابلة البخل قوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ أي إنا أعطيناك الكثير، فأعط أنت الكثير ولا تبخل.
وذكر في مقابلة ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ قوله: ﴿فَصَلِّ﴾ أي دم على الصلاة.
وذكر في مقابلة ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ قوله: ﴿لِرَبِّكَ﴾، أي ائت بالصلاة لرضا ربك لا لمراءاة الناس.
وذكر في مقابلة ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ قوله: ﴿وَانْحَرْ﴾ وأراد به التصدق بلحم الأضاحي، فاعتبر هذه المناسبة العجيبة.
وفي مقابل التكذيب بالدين الوارد في السورة المتقدمة وهو قوله: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ذكر قوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ذلك أن من أشهر معاني الكوثر أو أشهر معنى له أنه نهر في الجنة كما ورد في الحديث الصحيح، وهذا يقتضي الإيمان بيوم الدين. جاء في (روح المعاني): "ولم يذكروا مقابل التكذيب بالدين، وقال الشهاب الخفاجي: إن الكوثر بمعنى الخير الكثير الشامل للأخروي، يقابل ذلك لما فيه من إثباته ضمناً، وكذا إذا كان بمعنى النهر والحوض، والأمر على تفسيره بالإسلام وتفسير الدين به أيضًا في غاية الظهور".
﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾
إن هذه الآية كأنها إنجاز ما وعد الله به رسوله في سورة الضحى، وهو قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾، فقد وعده في سورة الضحى أن يعطيه ربه في المستقبل، فكأنه أنجز في هذه السورة ما وعده به، قال هناك: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥]، وقال هنا: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ والتوكيد بـ (إنّ) في مقابل التوكيد باللام في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ﴾.
لقد أسند الفعل إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه فقال: (أعطيناك) وجعله مسندًا إلى الضمير المتقدم المؤكد بإنّ (إنا). وبناء الفعل على الاسم المتقدم كثيرًا ما يفيد الاختصاص. وقد يفيد الاهتمام دون الاختصاص وذلك كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] فهو لم يقصر السماع عليهم، وكقولك: (إن محمدًا نجح) فهو لا يفيد اختصاص النجاح به.
والاختصاص نحو قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾ [النجم: ٤٥] وهذا يفيد الأمرين معًا، فهو يفيد الاختصاص والاهتمام معًا، وقد أكد ذلك بإنّ فقال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ﴾ ولم يقل: (نحن أعطيناك).
إن إسناد الفعل إلى ضمير المتكلم المفيد للتعظيم وتوكيده يفيد أنه لا يستطيع أحد أن ينزع هذا العطاء منه ويسلبه إياه، وكيف يمكن أحدًا أن ينزعه منه والله هو الذي اختصه بهذا العطاء الكثير؟!
ثم إن العطاء الكثير جدًا يقتضي التوكيد دون العطاء القليل، جاء في (روح المعاني): "وبنى الفعل على المبتدأ للتأكيد والتقوي، وجوز أن يكون للتخصيص... وفي تأكيد الجملة بـ (إن) ما لا يخفى من الاعتناء بشأن الخبر".
﴿أَعْطَيْنَاكَ﴾
قال: (أعطيناك)، ولم يقل: (آتيناك)، وهناك فرق بين الإعطاء والإيتاء. إن الكلمتين (أعطى) و(آتى) متقاربتان لفظًا ومعنى، فإن أصل (آتى): (أأتى) بهمزتين، ثم أبدلت الهمزة الساكنة ألفًا لسبب صرفي معلوم. فالهمزة الساكنة تقابل العين، والتاء تقابل الطاء، فالفرق بين (أأتى) و(أعطى) من الناحية الصوتية ليس كبيرًا، فإن الهمزة تقابل العين، وكلاهما من حروف الحلق، غير أن الهمزة أقوى من العين كما يقول النحاة. والتاء والطاء وأختهما الدال من مخرج واحد وهو طرف اللسان وأصول الثنايا. غير أن التاء حرف مهموس والطاء حرف مجهور، والطاء أعلى الثلاثة صوتًا. إن من صفات الحرف المهموس أنه يتهيأ لك أن تنطق به ويسمع منك النطق به إذا كررته، ولا يتهيأ لك أن تجأر به ولا أن تجهر به، ولا يتهيأ النطق به إلا كذلك.
إن استعمال الفعلين في العربية موافق لبنائهما الصوتي. فإنه لما كانت الهمزة أقوى من العين استعمل الفعل (أتى) لما هو أقوى وأوسع، كإيتاء المال والملك والحكمة والآيات الدالة على صدق الأنبياء وغير ذلك، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١]. ولما كانت التاء حرفًا مهموسًا وهو يسمع مجهورًا وخفيًا استعمل لما هو ظاهر ولما هو خفي، فمن الظاهر إيتاء المال كقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: ١٧٧]، ومن الخفي إيتاء الحكمة والرشد والرحمة، قال تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا﴾ [الكهف: ٦٥]. في حين أنه لما كانت الطاء حرفًا مجهورًا أعلى وأظهر من التاء استعمل الفعل لما هو ظاهر، ويكاد أن يكون مختصًا بالأموال. ويمكن أن نقول أيضًا: إن الفعل (أعطى) أظهر في النطق من (أتى)، فكان استعماله في الأمور الظاهرة أكثر وأظهر، فكان بناء الكلمة الصوتي موافقًا للمعنى الذي استعملت له إلى حد كبير.
والآن بعد أن بينا الفرق بينهما من الناحية الصوتية وأثر ذلك في المعنى بصورة موجزة نبين الفرق بينهما في الاستعمال. إن (الإيتاء) - كما بينا - أوسع استعمالاً من (الإعطاء)، فهو يستعمل في الأشياء المادية والمعنوية، ويستعمل غالبًا في الأمور العظيمة ولما لا يحسن فيه استعمال الإعطاء. أما الإعطاء فهو يستعمل غالبًا لما يفيد التمليك، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ﴾ [الأنبياء: ٥١]، وقال: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَا ذِكْرًا﴾ [طه: ٩٩]، وقال: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]. ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [النحل: ١٢٢]، وقوله: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦] فإنه لا يحسن أن يقال: (أعطوني زبر الحديد) فإن الإعطاء هنا يفيد التمليك دون (آتوني). ونحوه قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩]، فإنه لا يحسن أن يقال: (أعطينا ثمود الناقة). ونحوه قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] فإنه ليس بمعنى (ما أعطاكم). والإيتاء قد يكون للأمور المادية أيضًا كما ذكرنا، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ [النساء: ٤]، وقوله: ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]. ويكون الإيتاء غالبًا للأمور العظيمة، كقوله تعالى: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥١]، وقوله: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَا ذِكْرًا﴾ [طه: ٩٩]، وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤]، وربما استعمل للقليل أيضًا كقوله تعالى: ﴿فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣]. أما الإعطاء فيكون للأمور المادية غالبًا، وهو ما غلب في الاستعمال القرآني، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٥ - ٦]، وقال: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩]، وقال: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨]، وقال: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾ [النجم: ٣٤] فاتضح أن الإيتاء يكون بمعنى الإعطاء، وقد يكون لما لا يحسن فيه الإعطاء.
والفرق الآخر بين الإيتاء والإعطاء: أن الإعطاء يوجب التمليك دون الإيتاء، فإنك إذا أعطيت أحدًا شيئًا فقد ملكته إياه دون الإيتاء، فإنه قد لا يكون تمليكًا وذلك كقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، وقوله: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩]. وقد يشمل الإيتاء النزع دون العطاء، قال تعالى: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]. ولما كان العطاء تمليكًا فهو يوجب الاختصاص، أي أن لصاحبه أن يتصرف فيه كما يشاء، فله أن يعطي منه ما يشاء أو يمسكه، ولذا لما دعا سليمان قائلاً: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] قال له تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٩]، ولم يقل: (هذا إيتاؤنا) فأطلق له التصرف فيه، في حين لا يصح فيما آتاه الله من الكتاب والعلم أن يمسكه وإنما عليه أن يعلمه ويبينه، وقد سمى الله ذلك إيتاء لا إعطاء، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، وقال: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَا ذِكْرًا﴾ [طه: ٩٩] وقد حذر الله من كتم شيئا من ذلك بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩].
جاء في (تفسير الرازي): «الإعطاء يستعمل في القليل والكثير، قال الله تعالى: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾ [النجم: ٣٤]، أما الإيتاء فلا يستعمل إلا في الشيء العظيم، قال الله تعالى: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥١] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا﴾ [سبأ: ١٠]. وجاء فيه أيضًا: فإن قيل: أليس قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي﴾؟ قلنا: الجواب من وجهين: الأول: أن الإعطاء يوجب التمليك، والملك سبب الاختصاص، والدليل عليه أنه لما قال سليمان: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ قال: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾... أما الإيتاء فإنه لا يفيد الملك، فلهذا قال في القرآن: ﴿آتَيْنَاكَ﴾ فإنه لا يجوز للنبي أن يكتم شيئًا منه. الثاني: إن الشركة في القرآن شركة في العلوم ولا عيب فيها، أما الشركة في النهر فهي شركة في الأعيان وهي عيب».
وجاء في (روح المعاني): «وفي إسناد الإعطاء إليه دون الإيتاء إشارة إلى أن ذلك إيتاء على جهة التمليك، فإن الإعطاء دونه كثيرًا ما يستعمل في ذلك، ومنه قوله تعالى لسليمان عليه السلام: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ بعد قوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾... الإيتاء لا يستعمل إلا في الشيء العظيم كقوله تعالى: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا﴾ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾، والإعطاء يستعمل في القليل والكثير كما قال الله تعالى: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾».
يتبين مما مر: ١ - أن الإيتاء أوسع استعمالاً من الإعطاء، وهو يستعمل في الشيء العظيم، أما الإعطاء فإنه يستعمل في القليل والكثير. ٢ - إنه قد يستعمل فيما لا يحسن فيه الإعطاء. ٣ - إن الإعطاء يوجب التمليك دون الإيتاء. ٤ ـ إن الإيتاء قد يشمله النزع بخلاف الإعطاء فإنه تمليك. ٥ ـ لما كان الإعطاء تمليكًا كان سببًا للاختصاص، أي أن لصاحبه أن يتصرف فيه كما يشاء من إعطاء أو إمساك.
لقد قال: (أعطيناك) دون (آتيناك)، ذلك أن ربنا أراد أن يملك نبيه الكوثر فقال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ولو قال: (آتيناك) لاحتمل أن يفهم أن ذلك إيتاء آية لا إيتاء تمليك، كما قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩]، وقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧]، وقال: ﴿وَآتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ٣٠]. والتمليك ـ كما هو معلوم - يفيد التخصيص، أي أنه ملك مختص بصاحبه يتصرف فيه كما يشاء، بخلاف الإيتاء فإنه في الغالب لا يفيد الاختصاص. ويفيد أنه لا يشمله النزع، بخلاف الإيتاء فإنه قد يشمله النزع كما قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٧٥]، وكما قال في قارون: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦] ثم نزعها منه وخسف به وبداره الأرض، فالإعطاء ههنا أدل على التكريم من الإيتاء.
وقال: ﴿أَعْطَيْنَاكَ﴾ ولم يقل: (سنعطيك)، إشارة إلى تحقق الوقوع وأن ذلك كائن لا محالة. وقيل: إنه يدل على أن هذا الإعطاء كان حاصلاً في الماضي، وقيل: هو إشارة إلى تعظيم الإعطاء. ويجوز أن ذلك إشارة إلى ما بدأ به من الإعطاء، وأنه مستمر لا ينقطع إلى الآخرة. وقال: (أعطيناك) ولم يقل: أعطينا الرسول أو النبي أو العالم أو المطيع؛ لأنه لو قال ذلك لأشعر أن تلك العطية وقعت معللة بذلك الوصف، فلما قال: ﴿أَعْطَيْنَاكَ﴾ عُلم أن تلك العطية غير معللة بعلة أصلاً، بل هي محض الاختيار والمشيئة، كما قال: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا﴾ ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾.
يشمل كل ما يذبح من الإبل والبقر والغنم وعموم ما يذبح، فطلب منه أن ينحر البُدْن... وهي خيار أموال العرب، ويتصدق بها على المحتاجين.
جاء في (روح المعاني): "وانحر البُدْن التي هي خيار أموال العرب باسمه تعالى وتصدق على المحاويج، خلافاً لمن يدعهم ويمنع منهم الماعون".
والنحر هو المناسب للعطاء الكثير، فلما أعطاه الكوثر ناسب أن يتصدق بالكثير شكراً لله تعالى.
وقيل: النحر: هو وضع اليد اليمنى على اليسرى تحت النحر في الصلاة.
والأول أرجح لأسباب منها:
1 - أن استعمال كلمة النحر في نحر الإبل أشهر من استعمالها في وضع اليمنى على النحر أو غير ذلك مما فسرت به.
2 - أن تفسير النحر بوضع اليد اليمنى على اليسرى يروى عن علي، وهو لا يصح عنه.
3 - أن تفسير (انحر) بوضع اليمنى على اليسرى هو من هيئات الصلاة، وهي داخلة في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ فلم يعط العطف معنى جديداً، فوجب أن يكون المراد من النحر غير هذا المعنى.
4 - أن القوم كانوا يصلون لغير الله وينحرون لغير الله، فأمر الله نبيه أن تكون صلاته ونحره له.
5 - أن الله تعالى كلما ذكر الصلاة ذكر الزكاة بعدها، فيكون النحر بمعنى نحر البُدن أولى.
6 - أن قوله: (فصلّ) إشارة إلى التعظيم لأمر الله، وقوله: (انحر) إشارة إلى الشفقة على خلق الله، وجملة العبودية لا تخرج عن هذين الأصلين.
وقد تقول: ولم اختار النحر هنا فقال: ﴿وَانْحَرْ﴾ دون أن يقول: (فصل لربك وتصدق) أو (آت الزكاة) أو نحو ذلك؟
والجواب أن اختيار النحر ههنا أولى من وجوه:
منها: أن الصدقة تشمل القليل والكثير، في حين أن المناسب للعطاء الكثير أن يتصدق بأعز الأموال وأكرمها عندهم شكراً لله.
أما إيتاء الزكاة فإنه ﷺ لم يملك نصاب الزكاة فلم تجب عليه ـ كما قيل ـ.
ثم إنه لو قال: (وآتِ الزكاة) لما كان هذا مختلفاً عن أمر عامة المسلمين بها، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43] فلا يكون ذلك شكراً خاصاً على ما أعطاه ربه من الكوثر.
ومن ناحية أخرى أن الزكاة تجب مرة في العام، في حين أنه هنا أطلق النحر ولم يخصصه بوقت دون وقت.
ثم إن قوله: ﴿وَانْحَرْ﴾ معناه التصدق بلحم ما يذبح منها، وهو مقابل قوله تعالى في السورة المتقدمة: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 7] فإن من معاني ﴿الْمَاعُونَ﴾ الإناء الذي يوضع فيه الطعام. إن المذكور في السورة السابقة يمنع الماعون، والرسول يتصدق بما يوضع في الماعون، فكان ما ذكره أولى.
وقد تقول: ولم لم يقل: (فصلّ لربك وضحّ) من الضحية؟
والجواب: أن ما ذكره أنسب من وجوه، منها:
إن قوله: (ضحّ) يعم كل ما يضحى به من الإبل والبقر والغنم، فلو ضحى بشاة كان مطيعاً وكانت مجزئة في هذا الأمر. في حين أنه طلب منه أن يتصدق بأكرم الأموال وأعزها عندهم وهي الإبل، وهو المناسب لما أعطاه، فكان هذا أولى.
ثم إن الضحية مختصة بوقت دون وقت، فإن الضحايا تكون في أيام عيد الأضحى، وهي أربعة أيام في العام. في حين أن قوله: (انحر) مطلق غير مقيد بوقت دون وقت، فهو أوسع في الصدقة وأنفع لعباد الله.
ثم إن قوله: (انحر) يشمل عموماً ما ينحر لله تعالى من هدي أو ضحية أو صدقة أو غيرها من النسك، فكان أولى.
جاء في (تفسير الرازي): "في الآية سؤالات:
إحداها: أن المذكور عقب الصلاة هو الزكاة، فلم كان المذكور ههنا هو النحر؟ والثاني: لِمَ لَمْ يقل: ضحّ حتى يشمل جميع أنواع الضحايا؟
والجواب عن الأول: أما على قول من قال: المراد بالصلاة صلاة العيد فالأمر فيه ظاهر. وأما على قول من حمله على مطلق الصلاة فلوجوه:
أحدها: أن المشركين كانت صلواتهم وقرابينهم للأوثان، فقيل له: اجعلهما لله.
وثانيها: أن من الناس من قال: إنه عليه السلام ما كان يدخل في ملكه شيء من الدنيا بل كان يملك بقدر الحاجة، فلا جرم لم تجب الزكاة عليه، أما النحر فقد كان واجباً عليه...
وثالثها: أن أعز الأموال عند العرب هو الإبل، فأمر بنحرها وصرفها إلى طاعة الله تعالى...
والجواب عن الثاني: أن الصلاة أعظم العبادات البدنية فقرن بها أعظم أنواع الضحايا".
وقد تقول: ولم قدم الصلاة على النحر؟
والجواب أن ذلك لأوجه:
منها: أن الصلاة أهم من النحر وأكبر عند الله، فهي ركن من أركان الإسلام، وهي أكبر العبادات عند الله تعالى.
ومنها: أن الصلاة أعم من النحر، والقيام بها أكثر من النحر، فإن المفروض منها فقط خمس مرات في اليوم والليلة عدا النوافل، فأين النحر من ذلك؟
ثم إن الصلاة حق الله، وإن النحر حق العباد. وحق الله مقدم على حقوق العباد.
ثم إن هذه الآية نظيرة ما اجتمعت فيه الصلاة والصدقة من آيات القرآن الكريم فإنه يقدم الصلاة عليها، نحو قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة: 55]، وقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 3].
ثم إنه قيل: إن المقصود بالصلاة صلاة العيد، والنحر: هو نحر الهدي والنسك والضحايا، وقدمت الصلاة على النحر لأنه كان ينحر قبل الصلاة فأمره أن يصلي وينحر.
جاء في (تفسير ابن كثير): "إن المراد بالنحر ذبح المناسك، ولهذا كان رسول الله ﷺ يصلي العيد ثم ينحر نسكه ويقول: (من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له)".
وقيل: إن هذا قول ضعيف؛ لأن العطف بالواو لا يوجب الترتيب.
وقيل: بل دلت الأدلة على وجوب تقديم الصلاة على النحر لا لأن الواو توجب الترتيب، بل لقوله عليه السلام: (ابدءوا بما بدأ الله به).
والظاهر ـ والله أعلم ـ أن المراد مطلق الصلاة ومطلق النحر، سواء كان في العيد أم في غيره، وهو أدل على الشكر؛ لأن ذلك غير مقيد بأيام مخصوصة في السنة، وإذا وافق ذلك في العيد كانت الصلاة قبل النحر والله أعلم.
وقد تقول: ولم قال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ولم يقل: (فصل لربك وانحر له) فاكتفى بمتعلق واحد؟
والجواب من وجوه منها:
1 - أن المتعلق الأول يغني عن الثاني، فإنه مفهوم من المعنى.
2 - أن الصلاة أهم من النحر لأنها لا تسقط، بخلاف النحر فإنه يكون مع الوجد، فجعل المتعلق بما هو أهم.
3 - أن الصلاة لا تكون إلا عبادة، ولا تكون إلا لله، ولا تكون لغير ذلك بحال من الأحوال.
أما النحر فإنه قسمان:
قسم للعبادة، ولا يكون لغير الله البتة، فإنه حرام وأكله حرام بنص القرآن، وهو مما أُهل لغير الله به الذي حرم بنص القرآن، وقد جاء في الحديث الصحيح عن الإمام علي بن أبي طالب أنه سمع النبي ﷺ يقول: (لعن الله من ذبح لغير الله)، قالوا: "المراد به أن يذبح لغير الله تعالى، كمن ذبح للصنم أو الصليب أو لموسى أو لعيسى عليهما السلام أو للكعبة ونحو ذلك، فكل هذا حرام، ولا تحل هذه الذبيحة سواء كان الذابح مسلماً أو كافراً".
وقسم يذبح للأكل لا للعبادة، كما هو شأن الجزارين ومن يذبح لغرض الأكل فهذا تكفي فيه التسمية، بل أبيح الأكل مما لا نعلم أنه ذكر اسم الله عليه، ويكفي أن نسمي نحن عليه، كما في الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها "أن قوماً قالوا: يا رسول الله إن قوماً يأتونا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا عليه أنتم وكلوا".
وبهذا استدل بعضهم على أن التسمية على الذبيحة ليست شرطاً. ومما يدل على عدم الاشتراط قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ فأباح الأكل من ذبائحهم مع وجود الشك في أنهم سموا أم لا.
وقد ذهب قسم غير قليل من الفقهاء منهم ابن عباس وأبو هريرة وطاوس والشافعي ومالك وأحمد إلى أن التسمية سنة، فمن تركها عندهم عمداً أو سهواً لم يقدح في حل الأكل.
ولذا اختلف النحر عن الصلاة ولم يجعلهما بمرتبة واحدة، فإنه قد يكون عبادة بخلافها، فذكر (لربك) مع الصلاة دون النحر، فألزمه أن تكون الصلاة لربه، ولم يلزمه بأن لا ينحر إلا للشعيرة، فقد ينحر لغير الشعيرة والله أعلم.
فانظر إلى طرف من أسرار التعبير في الآية:
1 - أنه بدأ بالفاء فقال: ﴿فَصَلِّ﴾ لترتيب ما بعدها على ما قبلها؛ لأن ما قبلها جدير بالشكر.
2 - اختار الصلاة دون غيرها من الطاعات لأنها أهمها.
3 - قال: ﴿لِرَبِّكَ﴾ طلباً للإخلاص له لا لغيره سبحانه ولا رياء.
4 - قال: ﴿لِرَبِّكَ﴾ ولم يقل: (لنا) للدلالة على أن الله هو الذي يصلى له لا للمعطي على العموم.
5 - اختار كلمة (الرب) دون غيرها من أسماء الله الحسنى لما فيها من معنى التربية والتعهد والعناية.
6 - أضاف الرب إلى ضمير الخطاب للدلالة على التكريم ولما في ذلك من العناية بشأنه.
7 - جاء بكلمة (الرب) بعد ضمير التعظيم لرفع توهم الاشتراك.
8 - ذكر النحر دون الذبح للدلالة على عظيم الشكر، فإن النحر مختص بالإبل.
9 - ذكر النحر دون الزكاة أو الضحية للدلالة على العموم والاتساع في الأوقات، ولعدم تخصيصه بالنصاب أو بوقت من أوقات السنة.
10 - جمع بين الصلاة والنحر للدلالة على أن الشكر قسمان: قسم لله وقسم لعباده.
11 - قدم الصلاة على النحر لأهمية الصلاة، ولأنها تكون في سائر الأوقات، وهي عبادة يومية تكون في اليوم والليلة على الدوام ولا تسقط بحال.
12 - اكتفى بالمتعلق ﴿لِرَبِّكَ﴾ مع الصلاة دون النحر؛ لأن ذلك أهم، ولأن الصلاة عبادة على وجه الدوام. أما النحر فقد يكون للعبادة والنسك، وقد يكون لغيره.
إلى غير ذلك من الأسرار التعبيرية.
﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾
الشَّانئ: هو المبغض، والشانئ هو المبغض، وأما البتر فهو "استئصال الشيء، قطعاً... البتر: قطع الذنب ونحوه إذا استأصله... وقيل: كل قطع بتر... وكل أمر انقطع من الخير أثره فهو أبتر... والأبتر الذي لا عقب له... ولا خير فيه".
فقد ذكر ربنا أن مبغضه ﷺ هو الأبتر. وتعريف (الأبتر) والمجيء بضمير الفصل وتوكيده بإنّ يدل على أن شانئه هو الأبتر حصراً، فلم يقل: (إن شانئك أبتر) أو (إن شانئك هو أبتر) بل جاءت جملة البتر، بل قال: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾.
إنه أبتر بكل معنى البتر، فهو مستأصل الذرية مقطوعها، بخلاف ذريتك التي تتسع وتمتد إلى يوم القيامة، فإن ذرية هذا الشانئ إن بقيت وعاشت فستصبح من أتباعك محبة لك، تسلّ سيفها معك على أعدائك، تعززك وتوقرك وتعضدك وينقطع ما بينك وبين أعدائك من نسب فلا تفتخر به ولا تدعو له ولا تذكره بخير، بل إن ذرياتهم ستدعو لك وتذكر اسمك بالتبجلة والتعظيم.
فهل ستقطع ذرية هذا الشانئ وتبقى ذريتك تملأ الدنيا، فمن الأبتر منكما؟
ثم إن شانئك هو المقطوع من كل خير، فلك الخير الكثير وهو المقطوع من كل خير.
جاء في (الكشاف): "إن من أبغضك من قومك لمخالفتك لهم هو الأبتر لا أنت؛ لأن كل من يولد إلى يوم القيامة من المؤمنين فهم أولادك وأعقابك، وذكرك مرفوع على المنابر والمنابر، وعلى لسان كل عالم وذاكر إلى آخر الدهر، يبدأ بذكر الله ويثنى بذكرك.
ولك في الآخرة ما لا يدخل تحت الوصف، فمثلك لا يقال له: أبتر، وإنما الأبتر هو شانئك المنسي في الدنيا والآخرة وإن ذكر ذكر اللعن".
وجاء في (تفسير البيضاوي): "إن من أبغضك لبغضه الله هو الأبتر الذي لا عقب له، إذ لا يبقى منه نسل ولا حسن ذكر، وأما أنت فتبقى ذريتك وحسن صيتك وآثار فضلك إلى يوم القيامة، ولك في الآخرة ما لا يدخل تحت الوصف".
وجاء في (تفسير الرازي): "الشانئ هو المبغض، والشانئ هو المبغض، وأما الأبتر فهو في اللغة استئصال القطع...
ثم إن الكفار لما وصفوه بذلك بيّن تعالى أن الموصوف بهذه الصفة هو ذلك المبغض على سبيل الحصر...
ثم ذلك إما أن يحمل على خير معين أو على جميع الخيرات.
أما الأول فيحتمل وجوهاً:
(أحدها) قال السدي: كانت قريش يقولون لمن مات الذكور من أولاده: بتر، فلما مات ابنه القاسم وعبد الله بمكة وإبراهيم بالمدينة قالوا: بتر فليس له من يقوم مقامه. ثم إنه تعالى بيّن أن عدوه هو الموصوف بهذه الصفة، فإنا نرى أن نسل أولئك الكفرة قد انقطع، ونسله عليه الصلاة والسلام كل يوم يزداد وينمو، وهكذا يكون إلى يوم القيامة.
(وثانيها) قال الحسن: عنوا بكونه أبتر أنه ينقطع عن المقصود قبل بلوغه، والله تعالى بيّن أن خصمه هو الذي يكون كذلك، فإنهم صاروا مدبرين مغلوبين مقهورين، وصارت رايات الإسلام عالية، وأهل الشرق والغرب لها خاضعة.
(وثالثها) زعموا أنه أبتر لأنه ليس له ناصر ومعين، وقد كذبوا لأن الله تعالى هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين، وأما الكفرة فلم يبق لهم ناصر ولا حبيب".
وجاء في (روح المعاني): "والظاهر أنه انقطع نسل كل من كان مبغضاً له عليه الصلاة والسلام حقيقة، وقيل: انقطع حقيقة أو حكماً؛ لأن من أسلم من نسل المبغضين انقطع انقطاع أبيه منه لعداوته ونحوه؛ لأنه لا عصمة بين مسلم وكافر...
وحمل شانئك على الجنس هو الظاهر، وخصه بعضهم بمن جاء في سبب النزول واحداً أو متعدداً".
وقرأ بعضهم (إن شانيك هو الأبتر) شنيء كحذر. وقراءة الجمهور أولى؛ لأن (شنئ) من صيغ المبالغة، ومعنى ذلك أن المبالغ في بغضك هو الأبتر دون من لم يبالغ، في حين أن قراءة الجمهور تدل على أن شانئه هو أبتر بالغ في البغض أم لم يبالغ.
واختار الأبتر على المبتور؛ لأن الأبتر صفة دالة على الثبوت كالأسمر والأصلع والأعمى والأعور، بخلاف المبتور الدالة على الحدوث، فإنه قد يزول عنه هذا البتر. جاء في (روح المعاني): "وفي التعبير بالأبتر دون المبتور على ما قيل إشعار الإسم تيمية ما لا يخفى من المبالغة".
ولقد كان شانئوه يبغضونه يوماً ويفخرون يوماً، وهذه خصومة لرسول الله، فإن المسلمين قد يتشاحنون فيما بينهم ولا يخرجهم ذلك عن الإسلام، وقد يعادون فيما بينهم وهم لا يزالون في دائرة الإسلام، قال تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، وقد يتقاتلون فيما بينهم ولا يخرجهم ذلك عن الإسلام، قال تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩].
أما رسول الله ﷺ فإنه مجرد شنآنه كفر وبوار وخسارة الدارين وإن لم يسل عليه الشانئ سيفاً أو يعلن عليه حرباً. وفي هذا تكريم وتعظيم لا يخفى. وفي الحديث أنه لا يؤمن أحدكم حتى يكون ﷺ أحب إليه من نفسه وأهله وولده والناس أجمعين، فإن شانئه هو الأبتر.
أما هو ﷺ فليس بأبتر، وإنما هو صاحب الخير الكثير الممتد من الدنيا إلى الآخرة، والذرية الممتدة المتسعة.
ولقد ارتبطت آخر السورة بأولها أجمل ارتباط وأحسنه، فإنه ﷺ أُعطي الكوثر، وشانئه أعطي البتر فكان أبتر بكل معاني السوء في الكلمة.
فإنه إذا كان البتر استئصال الشيء وقطعه فإنه ﷺ لم يستأصل منه شيء ولم يقطع منه شيء، وإنما أُعطي الكثير.
وإذا كان معنى الأبتر كل أمر انقطع من الخير أثره، فإنه ﷺ أُعطي الكوثر، وهو الخير الكثير، فليس هو بأبتر.
وإذا كان الأبتر هو الذي لا عقب له فهو ﷺ ليس بأبتر، وإنما ذريته تملأ الدنيا، ولا تقل إن أبناء البنت ليسوا بذرية للرجل، بل هم من ذريته. وقد عد الله عيسى من ذرية إبراهيم عن طريق الأم وليس عن طريق الأب كما هو معلوم. قال تعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٨٥].
وإن كان الغرض من الذرية هو حمل اسم الشخص وإبقاء ذكره، فإن ذكره ﷺ أبقى من كل ذكر وأخلد من كل اسم وأرفع من كل عالم، فهو ليس بأبتر، بل إن شانئه هو الأبتر.
وعلاوة على رفعة ذكره وخلود اسمه فإن ذريته باقية منتشرة. ففي كل مكان تجد من يقول إنه من ذرية محمد، ولا تجد أحداً يقول إنه من ذرية أبي جهل أو العاص بن وائل أو غيرهما ممن قال هذا القول، وعلى هذا فقد أُعطي الكوثر أيضاً.
وإذا كان الأبتر يعني الخاسر فإنه ﷺ قد أُعطي الكوثر وهو الخير الكثير، فكيف يكون خاسراً وقد أُعطي الخير الكثير الكثير!
ثم إن الخاسر على ضربين، فهو قد يكون خاسراً في الدنيا، وهي أعظمها، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ١٥].
أما خسارة الدنيا فإنه ﷺ لم يخسر في تجارة دين ولا دنيا، وقد آتاه الله ما نحر منه مائة بدنة في ضحى يوم واحد.
وأما في الآخرة فإنه صاحب الذكر المرفوع والمقام المحمود، وصاحب نهر الكوثر في الجنة، فأنت ترى أنه قد أُعطي الكوثر في الدنيا والآخرة.
وبهذا يتضح قوة ارتباط أول السورة بآخرها، فإنه بدأها بما أعطاه نبيه، وختمها بما جعله لمبغضه، فقد أعطى نبيه الكوثر من كل خير، وبتر مبغضه فلم يجعل لهم خيراً ولا عقباً متصلاً.
ثم انظر من ناحية أخرى كيف أسند الله الإعطاء إلى ذاته العلية فقال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ولم يسند البتر إلى ذاته، فلم يقل: (وجعلنا شانئك هو الأبتر) بل أسنده إلى الشانئ نفسه، فإنه أبتر من غير جعل جاعل، وإنما ذلك وصفه هو، وذلك أذم له وأقبح.
ثم علاوة على سمو هذا التعبير وجلالته فإن في كل آية من آيات هذه السورة إعجازاً من وجه آخر.
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ وقد تحقق الكوثر فيما يتعلق بالحياة الدنيا، فإنه نصره على أعدائه وجعلته الوفود معلمة إسلامها بعد أن كان مستضعفاً في الأرض محاصراً.
وقد امتد النصر الذي تحقق على يد أتباعه إلى مشارق الأرض ومغاربها. ولم يكن النصر عسكرياً فحسب بل كان انتصاراً فكرياً هائلاً أيضاً. فقد انتشرت دعوته في بقاع الأرض ودخل الدين الذي كان يدعو إليه ما دخل عليه الليل. وحكمت دول عظيمة باسمه ﷺ، ولا يزال مئات الملايين من الناس يترنمون باسمه ويذكرونه بالتبجيل والتعظيم والصلوات عليه. ولا يزال وسيبقى اسمه يرفع في جميع المعمورة بأعلى صوت كل يوم خمس مرات، فلا تخلو لحظة من اللحظات في الليل والنهار من رفع اسمه بالأذان، كما قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾. وهذا لم يتحقق لأحد غير رسول الله ﷺ، ولم يعط أحد منذ أن خلق الله الأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ما أُعطي رسول الله، فهل هناك أكثر وأعظم من هذا الكوثر؟
ألم يحدث ما أخبره ربه من أنه أعطاه الكوثر؟ أفليس هذا إعجازاً؟ وهل هناك أوضح من هذا الإعجاز؟
وكذلك قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ فإنه فيه إشارة إلى أنه سيملك الإبل وينحرها متصدقاً بها لوجه الله، وقد تحقق هذا، فإنه نحر في ضحى يوم واحد مائة بدنة.
جاء في (تفسير الرازي): "أن السورة مكية في أصح الأقوال، وكان الأمر بالنحر جارياً مجرى البشارة بحصول الدولة وزوال الفقر والخوف".
وجاء فيه أيضاً أن في هذه الآية إشارة إلى أنك بعد فقرك تصير بحيث تنحر المائة من الإبل. فتحقق هذا إعجاز، وذلك أنه أشار إلى ما حصل له قبل وقوعه وحدوثه.
وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ فقد قُطع مبغضوه من كل خير كما قطع عقيم ونسلهم فلم يبق لهم عقب ولا نسل ولا حسن ذكر.
فكان كما أخبر ربنا سبحانه، وهكذا يكون في كل آية إعجاز، والله أعلم.
#بلاغة_القرآن_الكريم

تعليقات
إرسال تعليق